بقلم: سعيد عطا
جرني العالم الافتراضي كعادته، لأسلك دروبه ومسالكه ومتاهاته اللامنتهية، فمن حائط أزرق إلى برامج التواصل الاجتماعي، قمت برحلة لا أقدر على مجارات موادها الدسمة الكثيرة التنوع، سأكون كاذبا إذا ما قلت أنني قرأت كل الخواطر التي علقت بجدران هذه الرحلة، ولكن كنت أتوقف كلما كان الأمر يتعلق بموضوع ثقافي أو اجتماعي لافت للنظر، وأنا كذلك؛ لفت انتباهي رأي أحد الفقهاء أو الأئمة أو رجال الدين أو سموه ما تشاؤون، يُحَرِّمُ فيه؛ الترحم على غير المسلمين بحكم ما ورد في الدين الإسلامي، وقد زكى طرحه هذا معتمدا على آيات قرآنية وما قام به الرسول e في هذا الباب، وتزامن ما أورده السيد العالم مع اغتيال الزميلة شيرين أبوعاقلة، وكأني به يقول لا تترحموا على روح شيرين لأنها نصرانية العقيدة، هكذا بكل بساطة وجب علينا نحن المسلمين أن ننزع الرحمة من قلوبنا، ونتخلى عن إنسانيتنا لإرضاء فقهائنا الأجلاء، ولو فعلنا غير ذلك؛ لَحُرِمْنَا من صكوك الغفران التي يوزعوها علينا كل يوم جمعة، علينا إدن أن نعطل عقولنا ونجمد حواسنا إذ نحن أردنا أن يرضى علينا هؤلاء الفقهاء الأشاوس.
ألم يقل عز وجل في محكم كتابه: ” مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ” سورة المائدة الآية 32، أليست هذه الآية واضحة وضوح الشمس، أم تريد شرحا غير ما يفهم منها، وقد يكون الشرح على مقاس مولانا الفقيه ومزاجه، ألم يقل الله عز من قائل في سورة الإسراء الآية 33: ” وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومࣰا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِیِّهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورࣰا”، أهذه الآية تحتاج إلى شرح أيضا، فالآيتان معا تُحَرِّمَان قتل النفس البشرية مهما كان دينها وجنسها، لأن النفس مقدسة عند الله، وقد يقول قائل أن الفقيه الورع أراد بقولته أن ينبهنا إلى أن المسلم محرم عليه الترحم على الكافر، والكافر هو كل من لا يدين بدين الإسلام، لكن في رواية عن علي رضي الله تعالى عنه : “لما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب بكى وقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه ” أليست هذه مغفرة ورحمة لرسول الله لعمه أبي طالب الذي لم يدخل الإسلام فقط. فهل يعني هذا كله أن الفقيه الورع على حق أم ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، فالله لم ينتزع رحمته من عباده، وما ترحمنا على روح الفقيدة إلا من باب الرحمة التي غرسها الله في قلوبنا نحن البشر، سواء كنا مسلمين أن ندين بديانة أخرى.
إن ما تقومون به مع كل الأسف وتستغلون الفرص لهو الجرم بعينه، تغرسون في نفوس الأبرياء والضعفاء من أمتنا الحقد والكراهية لغير المسلمين، لتكون ردة فعل الآخر قوية لا تقدر عليها أنت ولا أنا ولا غيرنا ممن طال لسانهم، لا نريد أن نرفع من أعداد أعدائنا لأننا غير قادرين على الدفاع عن أنفسنا، فنحن استمرأنا الجلوس في المقاهي نقتل أوقاتنا في التفاهات، وألفنا ارتياد المساجد أيام الجمعة لنشحذ النصر على أعدائنا برفع أكفنا إلى السماء، وتناسينا أن الله قال في كتابه العزيز: ” وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ یَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یُوَفَّ إِلَیۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ” سورة الأنفال الآية 60، فتحريضك يا سيدي الفقيه كان يجب أن يسير في باب حت المسلمين على السعي وراء العلم وإعمال العقل والبعد عن الخرافة والشعوذة، لأنها هي الطريق الصحيح للنهوض بالأمة، لكن حينما تخوض في التفاهات وتجعلها مواضيع أساسية مستغلا مأساة الإنسان، فإن نصحك مع الأسف هو سم زعاف يعيد الأمة إلى أيام الجاهلية، ويجعل المسلمين متقوقعين على أنفسهم، لسنا نحن من خلق الديانات بل الله عز وجل هو من أنزلها من سماواته العلا، وحثنا بالاعتراف بهذه الديانات والكتب السماوية الأخرى، نعم أنا مسلم أبا عن جد، لكنني لست متعصبا لدرجة أنني أخوض في التفاهات، وأحث أمتي على أن يتعلموا الوضوء الصحيح والصلاة الصحيحة، نحن في القرن الواحد والعشرين وعلينا ضبط إيقاع أمتنا بالعلم وليس التفاهات، والعلم ليس فقط هو ما تعلمته يا سيدي الفقيه، العلم سماوي ومصدره القرآن والسنة، وليس الفتاوى، فكل فقيه يغني بليلاه وتتعدد الفتاوى وتجعل من رفوف المكتبات تئن تحت وطأتها، ولا يقدر أحد على قراءة كل تلك المجلدات التي ألفت في هذا الباب أو ذاك، حتى أنك تجد تناقضات في بعض الفتاوى التي قيلت في موضوع واحد، يعللها فقهاؤنا الأجلاء بأن لكل ظرف زمني فتوى تليق به، نحن في أمس الحاجة إلى فقهاء ملمين بالعلوم الحياتية المحضة أيضا وبالتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، لأن هذه العلوم هي التي حتنا الله على التسلح بها فأهملناها، وكانت سببا في بلائنا فالله عز وجل يقول في سورة الرحمن الآية 33: ” یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا۟ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَـٰوَا تِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُوا۟ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنࣲ”، السلطان ياناس هو العقل الذي لو أعملناه لتمكنا من ناصية العلوم، ولأصبحت فتاوى فقهائنا منطقية مستندة على العلم الديني والدنيوي، فالإسلام هو دين يليق بكل العصور، ولا يكفي أن يأتيني فقيه أسدل لحيته وطلاها بالحناء، ولبس عباءة، واعتمر طاقية، وحمل مسبحا، وغفى على الحصير أو البساط في المسجد لفترة، حتى خرج الريح من دبره، وقام يمسح ريقه الذي سال على حنكه، ليقول رأيت في منامي كذا وكذا؛ وحرم عليكم الكلام المباح إلا بإذني إن شاء الله تعالى، كفانا من هذه الفتاوى الحمقاء التي أغرقت العالم الافتراضي، فالقرآن والسنة كافيان ليؤطروننا ويوضحون لنا الغث من السمين في ديننا، فكثرة المشارب الدينية الدنيوية هي التي أصابت ديننا في مقتل، وما دمت إنسانا فسأترحم على كل إنسان خدم الإنسانية بإخلاص ولم يتوان في قول كلمة الحق في وجه الظالم، فشرين أبو عقلة خدمت قضية وطنها فلسطين في وقت كنتم أنتم تتاجرون بالقرآن، وتحضرون كل حفلات أحيائكم من أجل الاسترزاق والنهل من الولائم، وتجعلون من رمضان وصلوات التراويح ميدنا تستجدون فيه عاطفة المصلين من أجل ملئ جيوبكم، الدين عندكم أصبح تجارة مربحة تقومون بكل المحاولات من أجل ضمان زبنائكم، لا يهمكم في هذا الباب لا روح قتلت غدرا ولا تضامن إنساني، فهذا بالنسبة لكم بعبع سيجعل من الزبناء ينفرونكم ويعرفون حقيقتكم، فالإسلام بريء منكم براءة الذئب من دم يوسف، فلا تتمادوا في أخطائكم لأن الدين الإسلامي جاء من أجل خدمة الإنسان وعتقه من الرق والعبودية وجاهلية الإنسان الآخر، ولن يتعارض الدين الإسلامي في يوم من الأيام مع الإنسانية: ” وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا.
للإشارة أنا لست متخصصا في الشريعة الإسلامية ولكنني إنسان يمكن أن أرد على مثل هذه التفاهات، انبريت لهذا الموضوع بحكم غيرتي على الإنسان عموما، لا يهمني دينه ولا جنسه، وما يهمني هو أنني إنسان تأثر بالعملية الوحشية التي طالت زميلتنا شيرين أبو عاقلة فسخرت قلمي لهذا الغرض.















































