عيدودي يكتب :(نماذج من الوضع الاجتماعي لليهود بالمغرب ودور المملكة في ترسيخ العيش المشترك)
يشكل المغرب عبر العصور أحد أبرز النماذج التاريخية في التعايش بين الديانات والثقافات، إذ احتضن على أرضه اليهود والمسلمين، عربا وأمازيغ، في نسيج اجتماعي متماسك امتد لقرون.
لم يكن اليهود المغاربة غرباء أو مهاجرين، بل مواطنين أصليين ساهموا في بناء المجتمع المغربي في مختلف أبعاده الاقتصادية والسياسية والثقافية، وظلوا جزء لا يتجزأ من هويته المتعددة.
1- إسهام اليهود في الحياة الاقتصادية والاجتماعية
تثبت المصادر التاريخية أن اليهود بالمغرب شغلوا مناصب عليا لدى سلاطين الدولة، وشاركوا المسلمين في الأسواق والحرف والتجارة والفلاحة. فقد ذكر كتاب “ألف سنة من حياة اليهود” أن الصناع والتجار اليهود كانوا يترددون على الأسواق الإسلامية في فاس لإنجاز صفقاتهم، وامتلكوا دكاكين في فاس البالي وفاس الجديد، كما تواجدوا بكثافة في الصويرة حيث خصصت لهم أزقة كاملة خارج الملاح.
ورغم تمسكهم بمتطلبات العقيدة التي تفرض وقتا واسعا للدراسة الدينية، برع اليهود في التجارة والمهن الحرة، كما امتلكوا الأراضي في البوادي المغربية، واشتغلوا في الفلاحة جنبا إلى جنب مع جيرانهم المسلمين، تجمعهم مصالح مشتركة وشراكات اقتصادية، دون أن تفرض عليهم قيود في الملكية أو النشاط المهني. وتشهد الوثائق القضائية على هذا التداخل في المصالح والعلاقات اليومية.
2- النسيج الاجتماعي والطبقي
يصف المؤرخ جاك بيرك المجتمع المغربي آنذاك بأنه قائم على تمايز اجتماعي ثلاثي: العامة في مقابل النخبة، والغافل في مقابل المدرك، والجاهل في مقابل العالم. ورغم هذا التمايز، فإن البيئة الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ القانونية في المغرب سمحت لليهود والمسلمين بالتعايش في فضاء مشترك، تدار فيه الحياة اليومية بتداخل العادات والأعراف مع القوانين الدينية لكل طائفة.
3- الفضاء الديني والعرفي
في مدينة آسفي، على سبيل المثال، كان “درب اليهود” يضم غالبية سكان يهودية، ومعابدهم، ومحالهم التجارية. وفي داخل الملاحات، كان مسؤولو الطائفة يراقبون المهن المرتبطة بالتغذية لضمان التوافق مع الشريعة اليهودية “كشر”، ويشرفون على الخبازين وباعة الحليب والخمر والسمك واللحوم، مع حرص خاص على مهنة الجزارة. وقد شكلت العادات والأعراف قاعدة توافقية بين الشريعة الربانية والمحيط الاجتماعي الإسلامي.
4- الطقوس والاحتفالات المشتركة
عرفت الحياة اليهودية المغربية محطات شعائرية كبرى، بعضها جزء من التشريع الديني اليهودي، وبعضها الآخر تشكل عبر أعراف وممارسات محلية طويلة الأمد، ممزوجة بأبعاد وطنية وصوفية. ومن أبرز هذه المحطات احتفال “ميمونة”، الذي يجمع بين البعد الديني اليهودي ورغبة الاندماج في المحيط الثقافي المغربي. ففي نهاية عيد الفصح، يفتح اليهود بيوتهم لجيرانهم المسلمين، ويشاركونهم الأطعمة والحلويات، بينما يشارك المسلمون بدورهم في التحضير لهذه المناسبة. تحولت ميمونة إلى رمز حي للمساواة والانسجام، ودليل على سلام دام قرابة ألفي عام على أرض المغرب.
5- مظاهر التضامن والتلاحم
لم يقتصر التعايش على المناسبات، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد شارك اليهود والمسلمون مياه السواقي والآبار، وتبادلوا طقوس العبادة في الفضاء العام، واحتفلوا بالأعراس بأهازيج مشتركة، وواجهوا القحط والمجاعات معا بالصبر والدعاء، حتى أن الأطفال رضعوا من أمهات الطائفتين في مشهد يختصر عمق الروابط الإنسانية.
6- حفظ الذاكرة المشتركة
حرص المغرب الحديث على صون هذا الإرث المشترك، حيث بادر إلى إدراج تاريخ اليهود المغاربة وتراثهم ضمن المناهج الدراسية، في خطوة غير مسبوقة في العالم العربي، تأكيدا على أن الذاكرة الوطنية جامعة لكل مكوّناتها. كما تناول الفقهاء المسلمون في مؤلفاتهم قضايا التعامل مع أهل الذمة، في إطار يوازن بين حماية الخصوصية الدينية وضمان الاندماج في المجتمع الإسلامي.
7- الدور التاريخي للمملكة المغربية
منذ العصور الوسطى وحتى العصر الحديث، لعب سلاطين المغرب، وخاصة العلويين، دورا حاسما في ترسيخ التعايش عبر آليات رسمية وعرفية، ضمنت لليهود أمنهم وحريتهم الدينية. وقد ظل هذا النهج ثابتا تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، ما جعل المغرب نموذجا عالميا في إدارة التنوع الديني والثقافي، تحت شعار الله، الوطن، الملك.
خاتمة
إن التجربة المغربية في العيش المشترك بين المسلمين واليهود ليست مجرد صفحة من الماضي، بل هي درس معاصر للعالم في كيفية تحويل التعددية إلى مصدر قوة ووحدة. لقد استطاع المغرب، عبر قرون من التفاعل والتسامح، أن يبني مجتمعا فسيفسائيا متماسكا، يجمع بين الأبعاد الدينية والاقتصادية والثقافية، ويجعل من التنوع مكونا أساسيا لهويته الوطنية.
بقلم : الدكتور عبد النبي عيدودي















































