غزة بين فداحة الجوع وخطيئة القرار المسلح

Mohamed Filali22 أغسطس 2025آخر تحديث :
غزة بين فداحة الجوع وخطيئة القرار المسلح

غزة بين فداحة الجوع وخطيئة القرار المسلح

تتقاطع الأخبار الواردة من غزة هذه الأيام مع واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. تقارير أممية ــ وإن عارضتها إسرائيل ووصفتها بالمسيسة ــ تؤكد أن القطاع يواجه لأول مرة إعلان “وباء الجوع” بالشرق الأوسط: أرقام صادمة تتحدث عن 20% من العائلات تعاني نقصًا حادًا في الغذاء، 30% من الأطفال مصابون بسوء تغذية شديد، فيما يتوفى شخصان يوميًا من بين كل عشرة آلاف، وأكثر من نصف مليون إنسان يعيشون وضعًا كارثيًا غير مسبوق.

غير أن السؤال المؤلم الذي يطرح نفسه: كيف وصل الوضع إلى هذا الحد؟

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر الماضي، اختارت الفصائل المسلحة في غزة الدخول في مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل، عبر هجوم على مستوطنات غلاف غزة. الهجوم قد يُسوَّق من طرف أنصاره كـ”ضربة استباقية” أو “عملية مقاومة”، لكنه في جوهره كشف عن سوء تقدير فادح. فقرار الحرب لم يكن نتاج مشاورة شعبية ولا تنسيق عربي، بل مغامرة معزولة أدخلت المدنيين في مواجهة عسكرية غير متكافئة، حيث السلاح البسيط يقابل بآلة عسكرية مدمرة مدعومة دولياً.

حين اشتد الخناق، رفعت هذه الفصائل شعار “الاستغاثة بالشعوب العربية والإسلامية”. لكن الحقيقة المُرّة أن الشعوب، مهما علت أصواتها بالهتاف أو البكاء، لا تملك القوة الكفيلة بكسر ميزان السلاح ولا تملك قرار الحرب والسلم. في النهاية، يبقى المدنيون العزل هم من يدفعون الثمن الأكبر: جوعاً، تشرداً، وموتاً يومياً بلا معنى.

إن ما يحدث اليوم يضعنا أمام معضلة أخلاقية وإنسانية. هل نكتفي بالبكاء على الصور المؤلمة؟ هل نغض الطرف بدعوى العجز؟ أم نتحمل وزر مواقفنا السلبية التي تُظهرنا في أعين العالم كأمة بلا موقف حاسم ولا ضمير فاعل؟

الواقع أن خطيئة القرار العسكري في غزة تتجاوز حدود السياسة، لأنها حملت الناس فوق طاقتهم، ودفعتهم إلى حرب لا نهاية لها، بلا أفق للنصر، وبلا استعداد حقيقي للصمود الطويل. الحرب لا يدخلها إلا من يحسن قراءة مآلاتها ويملك أدوات كسبها. أما خوضها بدافع المغامرة أو الرغبة في تسجيل موقف، فهي خطيئة في حق شعب محاصر منذ سنوات، وخطيئة في حق الأمة التي تُستدعى اليوم للمساعدة على مأساة لا تملك دفعها.

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد معركة عابرة، بل اختبار قاسٍ لضمائرنا، وقدرتنا على التمييز بين حق الشعوب في الحرية والكرامة، وبين سوء تقدير قادها إلى حرب جوع ودمار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!