لا تجعلوا من الصمت فضيلة: أحيانًا هو غباء

Mohamed Filali31 يناير 2026آخر تحديث :
لا تجعلوا من الصمت فضيلة: أحيانًا هو غباء

لا تجعلوا من الصمت فضيلة: أحيانًا هو غباء

بقلمي د. حسن شتاتو

يجب أن نضع قرارات الكاف ونقاشها في حجمها الحقيقي، نعم، لكن دون أن نُفرغ هذا النقاش من جوهره، ودون أن نُحوّل “الهدوء” إلى عقيدة مقدسة، و“الصمت” إلى فضيلة مطلقة. فليس كل صمت حكمة، وليس كل اعتراض تهويلاً، وأحيانًا – حين يكون الصمت في غير موضعه – يكون شكلًا من أشكال الغباء السياسي والرياضي.

ما يثير القلق في بعض الطروحات التي خرجت مؤخرًا، هو تلك النبرة التي تدّعي امتلاك الحقيقة وحدها، وتتعامل مع الرأي المخالف وكأنه نابع من الجهل أو الانفعال أو خدمة أجندات معادية. هذا منطق خطير، لأنه لا يناقش الأفكار، بل يُصنّف أصحابها، ويختزل الوطنية في زاوية ضيقة يحددها صاحب منشور فايسبوكي من موقع الوصاية المعرفية.

النقد مطلوب، بل وضروري. لكن الأخطر من النقد هو تسفيه النقد. تحويل كل صوت غاضب أو محتج على قرارات الكاف إلى متهم بـ«جلد الذات» أو «التهويل» هو هروب من النقاش، لا تعالٍ عليه. فالغضب، حين يكون واعيًا ومبنيًا على وقائع، ليس عاطفة عمياء، بل رد فعل مشروع على تكرار منطق الكيل بمكيالين داخل مؤسسة ثبت بالوقائع لا بالشعارات أنها تعاني أعطابًا بنيوية وأخلاقية.

نعم، للمغرب عمق إفريقي استراتيجي، ولا أحد يجادل في أن هناك محاولات معروفة تقودها الجارة الشرقية لإفساد مساره والتشويش على اختياراته. لكن الوعي الحقيقي لا يعني تعطيل رد الفعل، بل ترشيده. الفرق شاسع بين الانزلاق في متاهات عبثية، وبين ممارسة ضغط ذكي ومدروس يُظهر أن المغرب ليس الحلقة الأضعف، ولا الطرف الذي يُطلب منه دائمًا أن “يفهم” و“يتجاوز” و“يصمت”.

الحديث المتكرر عن أن “العمل المؤسساتي يجري في الكواليس” لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لإسكات الرأي العام. المؤسسات القوية لا تخشى النقد، بل تستفيد منه. والضغط الإعلامي والجماهيري الواعي ليس نقيضًا للدبلوماسية الرياضية، بل أحد أدواتها الأساسية، خصوصًا في إفريقيا، حيث لا تُدار كرة القدم بالملفات القانونية وحدها، بل بموازين القوة، والتحالفات، والرسائل الواضحة.

أما القول إن قوة المنتخبات الكبيرة لا تُقاس بعدد الشكايات ولا بحجم الجدل، فهو قول صحيح جزئيًا ومضلل كليًا. نعم، الملعب هو الفيصل، لكن من يتابع كرة القدم الإفريقية يدرك أن كثيرًا من المباريات تُدار خارج المستطيل الأخضر قبل أن تُلعب داخله. تجاهل هذا الواقع ليس تعقّلًا، بل تبسيط ساذج لمشهد معقّد.

الأخطر في بعض هذه الطروحات ليس مضمونها، بل لغتها: لغة تُقدّم الرأي الشخصي كحقيقة نهائية، وتُمارس حجرًا فكريًا ناعمًا باسم العقلانية:

كن هادئًا كما أريد،
فكّر كما أفكّر،
وإلا فأنت عاطفي… أو تخدم الخصوم.

هذا منطق مرفوض. لا أحد يحتكر الوطنية، ولا أحد يمتلك صك الحكمة. المغاربة قادرون على التمييز بين النقد الهدّام والنقد الوطني المسؤول، وقادرون على التعبير عن غضبهم دون أن يكونوا أدوات لأحد.

لسنا مطالبين بالصراخ الأجوف، لكننا أيضًا غير ملزمين بالصمت المُعلَّب. مواجهة كاف الفساد لا تكون لا بالضجيج وحده، ولا بالصمت وحده، بل بمزيج ذكي من العمل المؤسساتي، والضغط الإعلامي، والوعي الجماهيري.

أما تحويل الصمت إلى فضيلة أخلاقية مطلقة، فهو خطأ.
وفي بعض اللحظات المفصلية…
الصمت ليس حكمة، بل غباء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!