من وحي تعزية

Mohammed El Filali7 فبراير 2021آخر تحديث :
من وحي تعزية

سعاد زبيطة / أستاذة جامعية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن الطفيل

اعتقدت في البداية أن فيروس كورونا “كوفيد-19” حتم علينا فقط العمل والدراسة والمحاضرات والندوات عن بعد، لم أكن أتوقع أن حتى الحزن أصبح عن بعد.. صحيح قبل أسابيع فقط راودتني فكرة كتابة مقال عن تاريخ المآتم والعوائد الجنائزية في تاريخ المغرب بين الماضي والحاضر، لكن اليوم اتضحت لي رؤية التغيير أكثر مع فقدان أمي.. اليوم يمكنني أن أتناول هذا الموضوع من جوانب متعددة..

آه يا زمن كورونا لم أكن يوما أجيد الإعراب غير كان وأخواتها وفعل ماض وفعل مضارع وبعض حروف الجر، لكن اليوم مع كورونا أصبحت أجيد إعراب الناس.. وأميز صحيح البشر عن من به علة فأضم الصديق إلى صدري وأرفع العظيم وأحذف من محيطي من لا محل له من الإعراب وأمحي من أجاد النصب على مشاعري ومن كسرني في زمن كنت فيه أشد الحاجة إليه.. وهذا لا يعني أنه ليس هناك من سيظل مبنيا للمجهول، معطوفا أو مستترا، لكن لا تقدير لهم عندي..لقد سقط القناع عن وجوه كثيرة.. لا الجار ظل قريب ولا الصديق حميم ولا الرفيق رحيم.. أكيد أن اليوم ليس بالأمس ولا كالغد..

معذرة إن صرحت بهذا فهي حروف نابعة من ألم وحزن دخلت أثره فترة حزن واكتئاب وانعزلت عن العالم إلى أن زرت مدينتي سيدي سليمان وأنا في طريقي إلى بيتنا مررت بحبينا القديم بمدرستي “مدرسة خديجة أم البنين”، وببيت مدام ميمي التي كان يحلو لي أن أرن جرس بيتها في كل لحظة وحين، ثم مررت بالكاتدرالية الفرنسية التي لا زالت قائمة أو ما يعرف بالكنيسة أو L’église كما يحلو لساكنة المدينة تسميتها.. فرق كبير بين ما كانت وما أصبحت عليه.. في لمحة بصر تذكرت حارس الكنيسة الطيب والصارم في نفس الوقت والحديقة الغناء التي كانت تزين مدخلها..

لا أعرف هل التحضر يعني القضاء على كل شيء كان في السابق جميل.. فقد تراجعت المساحات الخضراء بالمدينة بشكل رهيب وزحفت المباني الإسمنية كالأورام السرطانية فأكلت مزارع الكروم والحوامض، وبالمقابل تسببت في إغلاق المنشآت الاقتصادية الكبرى للمدينة، معامل الخمور “شود شولاي” ومعمل السكر “SUNAB” ومعامل تلفيف الحوامض “ريال” و”سونابا” بعد إفلاس الشركات الفلاحية بالمنطقة وعلى رأسها “صوديا” و”سوجيطا“، ومصانع الحبوب. وبين الذكرى والحنين ساقتني الأقدار إلى منتزه التنيس المقابل لبيتنا كما كنا نسميه ولا زال إلى اليوم لأنه كان ناديا وملعبا للتنيس حيث عانقت المكان منتشية بعبقه وأنفاسه..كان التنيس بالنسبة لصبايا وصبيات الحي جنة النعيم..

أظن أنكم عرفتم حيي وموقع بيتنا.. نعم هو بالحي الأوربي وبالضبط بملتقى شارع الأمم المتحدة الذي كان سابقا شارع الماريشال اليوطي والمغرب العربي وهو شارع الجينرال منجان سابقا. لقد كان التنيس القلب النابض لحينا منذ طفولتي والمتعددة المرافق.. هناك، فجأة وجدت نفسي محاطة بمجموعة من الرجال منهم من عرفتهم ومنهم من لا أعرفه أو إذا صح التعريف غير الزمن ملامح وجوههم وأخفت الكمامة ما تبقي من ملامحهم في زمن كورونا اللعين يقدمون تعازيهم الصادقة وشهاداتهم على أنها كانت سيدة عظيمة، متواضعة، خلوقة، كريمة محبة للخير، وصادقة..كانت امرأة بعشرة الرجال كلمتها مسموعة اخترقت بنبلها مشاعر كل من عرفها.. مؤكدين أنها تركت بصمة واضحة في قلوبهم بعطفها وحنانها ووقوفها بجانب الجميع في لحظات الحزن والفرح…..

وبين حرقة صامتة على حزن فراق أمي والقيم النبيلة لساكنة مدينتي سيدي سليمان سعدت بهذه الشهادات وسعدت أكثر بعد أن أخبرني لاعب فريق حسنية سيدي سليمان السابق وصديق العائلة حفيظ خربوش الذي أصر على حضور مراسيم الجنازة مع صديق العائلة الدكتور سعيد زكرار والأستاذ عبد الحق غسام صديقنا وصديق العائلة طبعا إلى جانب مجموعة من الأصدقاء “جميلة فتحي، الحمداني، ملحاوي فاطمة الزهراء…” وأفراد من العائلة والجيران إلى جانب صديقاتي من القنيطرة والأهل والأحباب أحب أن أقدم لهن ولهم كل عبارات الشكر والتقدير.. لقد أخبرني الأخ حفيظ أن نادي الكرة الحديدية بالتنيس “ليبول” أصر على كتابة تعزية في حق أمي اعترافا بمكانتها في الحي..

هذا الإخبار عاد بي إلى ماضي طفولتي وأنا أستمتع بكل مرافق التنيس المتنوعة من أشجار متفرعة وباسقة شهدت تفنني في التسلق ومرحي وأنا طفلة أنط كالفراشة.. طفلة لا علاقة لها أبدا بما أصبحت عليه اليوم.. طفلة كان يصعب على الكثير التمييز بيني وبين باقي الأطفال من الجنس الآخر رغم أن أمي في غياب أبي كانت صارمة.. كنت في الغالب أرتدي “شورت” وكأنني مستعدة دائما للقفز والجري، وحتى عندما تفكر أمي في تشكيل جدليتين لي كنت أثبتها من الخلف فلا أظهر من الأمام إلا كالصبيان أو أثبت شعري جيدا تحت القبعة..تلك كانت بعض مني ولو كان بإمكان التنيس أن يحكي لحكى لكم قصصا كثيرة من تاريخ طفولتي بين أشجار التنيس وملعب التنيس الذي ظل حتى أواخر السبعينات.

وقد تتسخ ثيابنا كما قد نصاب بخذوش ونحن نقفز.. قد تبدو للقارئ قفزات مستحيلة من شجرة إلى أخرى، لكنها تلك كانت هي الحقيقة. وحديثي عن التنيس لا يمكن أن يكتمل دون الحديث عن باقي مرافقه الأخرى وعلى رأسها “النادي النسوي” الذي كنت أزوره من حين لآخر رفقة أمي في زياراتها لصديقاتها المسيرات له واللواتي كن قدوات التحرر النسائي بالمدينة متعلمات وجميلات وأنيقات ومتحررات. كما لا يمكن أن أتحدث عن التنيس دون أن أشير إلى مسبحه الذي لم يكتمل يوما، ولكنه ترك لنا حفرة عشقنا اللعب فيها واستمتعنا حتى بترابها المبلل شتاء للتزحلق من أعلاه إلى أسفله، إلى جانب حديقته ونادي الكرة الحديدية حيث وجدت بالصدفة هذه الكلمة التأبينية على صبورته.. والتي جعلتني أتذكر كل لحظة وأسترجع ذكريات الماضي، وأشم رائحتها وكأنها الأمس القريب، فيمر شريط صوره بأعيني الذبلانة من التعب والحزن..

ذكريات أحيانا تبعث فينا السعادة والدفئ وأخرى تشعرنا بقشعريرة البرد والحزن على من افتقدناهم.. ذكريات أصبح خيالي يكتب لها سيناريوهات ومشاهد وأرى لأول مرة ربما ما كنت أغفله، وأسمع أصوات أصدقائي وصديقاتي على قلتهن في حيي وفي شغبي، كنا ثلاثة لا نشبه الفتيات إلا يوم العيد ويوم الدخول المدرسي في أناقة ليس مثلها أناقة.. أسمع تلك الأصوات.. تلك الهمسات وهي تملأ أدناي يحملها أثير ما تبقى من شجر التنيس، وأحمد الله أن ذاكرتي لا زالت حية تختزن هذه الذكريات. وأنا في لذة التذكر قلت مع نفسي، ليتني بقيت طفلة ولم أكبر… عفوا فأنا بنعمة ربي لا أكفر…

كانت نوستالجيا جميلة، وعلى ذكرها لا يمكن أن لا أذكر مقدار سروري وابتهاجي في المساء حيث تبدأ لعبة “الغميضة” أو “غميض البيض” التي يتبعها الجري في كل الاتجاهات، كنا نضن أن اللعبة من خلال التسمية لها علاقة ببيض الدجاج لكنه بيض النهار ونوره..نتنفس هواء نقيا منعشا يدخل إلى صدورنا الصغيرة..لعبة الجري كانت لعبة التحدي فالجري لم يكن يقتصر على حينا، بل غالبا ما كان يعرف ” الدورة الكبيرة ديال لاكار” “محطة القطار” خاصة في ليالي رمضان. ننطلق من أمام التنيس ونتوجه نحو المستشفى المركزي للمدينة في اتجاه محطة القطار الأولى والتي كانت بالمدينة الاستعمارية والسنوات الأول لاستقلال خارج المدينة، ونعرج وسط الحقول في اتجاه الطريق اارئيسي ما بين مدينة سيدي سليمان وسيدي قاسم، لنعود أدراجنا مرورا بمركز الدرك الملكي.. بكل براءة لم نكن نخشى شيئا غير الكلاب الضالة.. ولم نسمع يوما عن خطف أو اغتصاب.. فلا ظلام الليل يخيفنا ولا شمس النهار تحرقنا. وكيف لي أن أخاف وأنا ابنة مدينة سيدي سليمان الشامخة.. يكفيني فخرا أنني من مدينة فلاحية بامتياز، مدينة معامل تصبير الحوامض وتسويقها وتصديرها إلى الخارج وخاصة البرتقال التي تشهد كل صباح مآت النساء المرتديات للمريلة البرتقالية في طريقهم إلى معمل “ريال” أو “سونابا” كي أكون قوية.

كان لعبنا شهيا كفاكهة محرمة تثير لعابنا لكن عقابها أليم، ويمكن أن نقول أنني لم أكن أخشى العقاب،. لقد لعبت كل تلك اللعب بدون شرط أو تقييد.. فأنا تلك الطفلة التي لعبت كل الألعاب بدون حدود أو اعتبار للنوع.. منذ طفولتي لم أكن أعبأ للتمييز الجنسي.. كسرت مبكرا الحدود وتجاوزت كل الخطوط الحمراء.. كل الألعاب بالنسبة لي كانت متاحة.. أنا تلك الطفلة التي سبحت في مياه النهر والسواقي قبل البحر، وركضت مع مجرى السواقي المدفونة تحت الأرض بدون خوف.. أنا من أمضيت وقت القيلولة وما أدراك ما قيلولة سيدي سليمان، أتسلل مع الحائط لألحق بالرفيقات والرفاق..

أنا تلك الطفلة التي كانت تهوى زيارة الضيعة والقرية في فصل الربيع وفي فصل الصيف.. أنا من افترش الصوف والحصير.. أنا من جرى وسط حقول الزرع وأعواد الذرة وشجيرات القوق.. أنا من تسلق أشجار البرتقال وأشجار التوت. أنا من لم تخشى شجرة السدر لأقتطف ثمارها “النبق” دون أن أخشى شوكها-أعرف أن الكثيرين في أيامنا هذه لم يسمعوا بهذه الشجرة وثمارها- .. أنا من اصطاد الطيور وتسلل إلى أعشاشها..أنا من استمتع بعمود النور في المدينة وبضوء القمر في البادية.. انا من مارس التجارة في العطلة الصيفية قبل كل سفر.

كم اشتقت إلى تلك الأيام الخوالي فقد سئمت من رائحة الرطوبة في الجدران ومن غرف مؤثثة وخاوية من كل المشاعر وجرس قد لا يرن لأسابيع.. ملعونة وحدتي ووحدة هذا الزمان فلا كأننا كنا يوما نعيش وننام ونأكل في ازدحام وهرج ومرج. وكم اشتقت إلى كل القلوب التي أسعدتنا ذات يوم ولأمي التي كانت توصيني أن أنتبه إلى نفسي.. ليتني أستطيع اليوم أن أخبرها أنني فقدت نفسي.

وقبل ان أغادر مدينتي ذرفت على الماضي دمعتين وقرأت على قبر أمي سورة الفاتحة وعلى طول الطريق لم أستطع الصيام عن التفكير، فمنذ أن توفت أمي وأنا محتجزة في فكرة وسؤال أكبر مني كيف غادرتني أمي فجأة دون أن أشعر بذلك.. وهي فكرة تزداد كلما عسعس الليل والصبح إذا تنفس.. فبعض مني يؤنب بغض مني على جهلي، وبعض مني يشكو بعض مني عن لوعة الفراق. وكلما حاولت أن أنسى يهدني شوق دفين ليقتلني شوق لعين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد
اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
  • Elmouradi Jamila
    Elmouradi Jamila 7 فبراير 2021 - 10:51

    هو شعور صادق لن يحسه إلا من فقد عزيزا
    دائما كتاباتك واقعية نابعة من القلب
    أعانك الله استاذتي

error: Content is protected !!