هل المغرب في حاجة إلى مشروع برومثيوس؟؟

Mohammed El Filali7 يونيو 2020آخر تحديث :
هل المغرب في حاجة إلى مشروع برومثيوس؟؟
 

هل ساسة المغرب يحملون مشروعا موحدا هادفا إلى إخراج البلاد من التخلف الفكري والتبعية الاقتصادية؟ هل يحمل هؤلاء مشروعا لتطوير آليات التربية في هذا البلد حتى يتمكنوا من خلق مواطن قادر على تحمل مسؤولياته كاملة داخل المجتمع؟ هل يحمل هؤلاء مشروعا يطور ميكانيزمات الاقتصاد الوطني ويجعله قادرا على خلق مناصب شعل لعشرات الآلاف من الشباب المؤهلين؟ لا والله ما رأيت إلا مشاريعا فردية من أجل الاغتناء حلى حساب بؤس المواطنين، ما رأيت إلا سعيا حثيتا من هؤلاء من أجل توريث أبنائهم في مناصب سياسية وتوظيفهم في وظائف حساسة لا يستحقونها ولكن المحسوبية والقرابة فعلت فعلتها فينا، وحولت دفة الاستحقاق إلى أبناء الساسة وهمشت كفاءات وطنية بل أرغمتها على الهجرة لتجد هنالك فيما وراء البحار مبتغاها ولتفرض وجودها. لن أذكر الأمثلة فوسائل التواصل الاجتماعي تعج بها ولم تعد خافية على أحد، بل حتى وسائل إعلامنا الرسمية أصبحت تأتي لنا بهذه النماذج وتفتخر بها وكأنها تعمل في مشروع وطني تشرف عليه الدولة، ولكن إذا لم تستح فافعل ما شئت.

تعجبني تطلعات ساستنا لأنها ديمقراطية تستند إلى دستور البلاد، وفي نفس الآن تُقْرِفُنِي هذه التطلعات لأنها تحولت إلى ديكتاتورية الأقليات الحاكمة بفعل لعبة سياسية قذرة، هذه اللعبة التي حولت المواطنين إلى قطيع يدافعون عن منتخبيهم بشراسة قل نظيرها بالرغم من أنهم لم يستفيدوا ولكن الولاء والانتماء دفعهم يتكتلون ويتحولون إلى أحزمة ناسفة داعشية في وجه خصومهم السياسيين الذين أصبحوا في نظرهم أعداء للوطن حق فيهم الجهاد، وتحولت تجمعاتنا ومؤتمراتنا الحزبية السياسية إلى محطات للتنكيت والاستهزاء بالخصم السياسي في غياب أي مشروع وطني هادف قادر على رسم خريطة مستقبلية للبلاد، كما تحولت وَجَبَاتُهَا إلى وَجَبَاتٍ للصحون الطائرة أو وجبات لتبادل اللكمات والسب والشتم، فكل فريق جاء مستعدا للرد على الفريق الآخر، ومشروعه الخطير يكمن في جلب عدد كبير من الحاضرين لكسب معركة انتخاب الرئيس أو الأمين العام أو الكاتب العام، لا تهم التسمية هنا لأن المهم هو أن يكون رئيس الحزب أو النقابة من فريقهم وبشتى الوسائل حتى لو اقتضى الأمر الإتيان برجال لا ينتمون إلى التنظيم ولكن بأجسامهم ضخمة مخيفة قادرين على إخافة الفريق الآخر، وقد يلتجئون إلى كلاب الحراسة ويضعونها على الأبواب لمنع خصومهم الحزبيين أو النقابيين من الدخول إلى قاعة المؤتمرات، وبهذه الأفعال “الديمقراطية” يصبح رئيس التنظيم رئيسا مدى الحياة لأنه مع مرور الوقت يكتسب خبرة في إقصاء المناضلين الآخرين، وهكذا يتعلم مناضلو الأحزاب مفاهيم الديمقراطية من زعمائهم. وهنا تبدأ لعبة سياسية أخرى في بلدي هي لعبة تغيير الكراسي، وتكوين أحزاب سياسية جديدة يكون همها الوحيد هو إضعاف الأحزاب التي انشقت عنها، ولن يأبه رؤساؤها بتطلعات المواطن البسيط، حتى أصبح المغرب يتوفر والحمد لله على 33 حزبا وأكثر من 20 نقابة، كلها تنتظر الانتخابات لتتقاسم كعكة هذا البلد المسكين.

كم نحن في حاجة إلى مشروع برومتثيوس جديد في بلدنا، يكون هذه المرة مشروعا واقعيا يستمد مقوماته الأساسية من الواقع المغربي وليس من الميثولوجيا، ويكون أصحابه مفكرونا المهمشين وليس ساستنا الانتهازين، كم نحن في حاجة إلى السماع إلى مفكرينا وإعطائهم الكلمة في كل المناسبات من أجل تطوير هذا المشروع، على أن يكون تطويره بعيدا عن كل المزايدات السياسوية التي حولت المغرب إلى ميدان للصراع السياسي عوض أن يكون ميدانا للصراع الفكري، فإعمال العقل مع كل الأسف هو ما ينقصنا نحن المغاربة وحينما أقول إعمال العقل فأنا هنا لا أتهم أحدا بالقصور الفكري لكن هناك ما اصطلح عليه “إعمال العقل” أي نصرة التفكير الإنساني والأخذ به ووضع كل المشاريع على منواله، بعيدا عن “التحراميات” السياسية التي لم تترك مجالا للمفكرين كي يقولوا كلمتهم. نحن في حاجة ماسة إلى تطوير تعليمنا بخلق مشروع بيداغوجي يدفع بالمدرسة إلى القيام بدورها الأساسي والمتمثل في تكوين مواطن يجابه الحياة ومخاطرها بشجاعة، ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا جعلنا من البرامج والمناهج التربوية مناهجا تعتمد على تكوين شخصية الفرد تكوينا متينا، بعيد عن الإيديولوجيا التي كبلت إرادة المواطنين وجعلتهم مرتهنين لمشروع السياسيين، فمشروع برومثيوس الذي نحتاجه الآن هو مشروع من أجل بناء المواطن المغربي القادر على تحمل مسؤولياته كاملة دون اللجوء إلى أحد وإذا استطعنا أن نكون هذا المواطن لن نحتاج إلى مشاريع السياسيين المخادعة بل سنخلق لهذا البلد أطرا في جميع المجالات من الدرجة الرفيعة لا تحتاج إلى إملاءات خارجية للقيام بواجباتها المهنية والوطنية، وسيكون من بين هذه الأطر أطر سياسية كفأة تتميز بالحس الوطني لأن مشروعها السياسي سينبعث لا محالة من العقل الجمعي للأمة، والذي سيبحث عن مقوماته في الثقافة والوعي الذي ارتقت به المدرسة إلى مصاف وعي يرتكز على منهجيات فلسفية وعلمية، وحتى المخيال الشعبي لن يعود مخيالا تجرفه تيارات الخرافة والأسطورة بل سيصبح مخيالا مبنيا على الواقع، يناصر كل ما هو علمي واقعي، وبالتالي لن تكون الانتخابات عشوائية ولن تتم بطريقة ساذجة، بل سيدخل الانتخابات سياسيون يحملون مشروعا هادفا نابعا من الواقع المغربي، وسيتنافسون أمام أصوات أصحابها واعون بمصالحهم ومصالح بلدهم، وستغيب آنذاك الولائم والرشاوى الانتخابية لأنها لن تفيدهم في شيء بل ستضرهم إن هم لوحوا بها.

سعيد عطا

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!