وسط عتمة الإدارة المغربية وجدت مسؤولا مطلعا بكامل مسؤولياته.

Mohamed Filali18 ديسمبر 2025آخر تحديث :
وسط عتمة الإدارة المغربية وجدت مسؤولا مطلعا بكامل مسؤولياته.

وسط عتمة الإدارة المغربية وجدت مسؤولا مطلعا بكامل مسؤولياته.

 

بقلم: سعيد عطا

وجدتني أسائل دواخلي وقد أخذ الشك مني مأخذه، بعدما استحضرت صورة المسؤول عن المرفق العمومي المغربي، التي تكرست عبر سنوات كأيقونة تابته جراء ما سمعته وعشته وأنا أتعامل مع هذه المرافق، فهو في مخيلتي ذلك الشخص القابع في برجه العاجي، لا يمكن للمواطن العادي الوصول إليه والتملي بطلعته البهية ولمس أياديه المباركة، لدرجة أن هاجس الخوف يتملكني ويعيد تنشيط تلك الذكريات القبيحة في ذهني وأنا متوجه لمرفق عمومي، أي نعم وجدت في بعض الأحيان النادرة استثناءات لكنها قليلة، لا ترقى لدرجة مسح تلك الصورة الأيقونة، التي باتت راسخة في أذهان كل المغاربة، سيما من جيلي الذي عاش سنوات الجمر والرصاص.

رفض هذا المسؤول قضاء حوائج المواطن المغربي، التي نصت على أحقيتها كل قوانين بلدي من الدستور إلى القوانين المتفرعة عنه، يأتي من باب مزاج هذا المسؤول الذي يرسل لك جوابه عبر حارس البوابة (العون)، وقد يصدك هذا العون قبل أن يصل طلبك إلى المسؤول، فأجوبة من قبيل “الشاف ما مساليس ليك”، أو “عندو اجتماع”، أو ما زال ما جا”، أو “ما بغاش”، هي التي تجدها جاهزة لدى العون الذي يصدك بأمر من المسؤول لتضيع مصالحك في متاهات هذا المرفق العمومي.

قد يقول البعض أن الإدارة تغيرت وأصبح المسؤول يعمل على تيسير مسألة التواصل مع المواطنين بطرق عدة أهمها، التواصل عبر العالم الافتراضي عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، لكن في غالب الأحيان وحينما تشرع في عملية التواصل عبر هذه الوسائط أو عبر الأرقام الهاتفية المخصصة لذلك، تصطدم بالمجيب الآلي الذي يرد عليك بصوت نسوي ناعم وهو يستفسر عن فحوى مشكلتك، وغالبا ما يكون الجواب جاهزا بعدما يزج بك في دهاليز الأرقام وينقلك من رقم إلى آخر لينتهي بك المطاف إلى جواب واحد: “لقد سجلنا مشكلتك وسنعمل على معالجتها في غضون 72 ساعة”، تمر الساعات 72 ولم تحل مشكلتك لتعاود الاتصال وهذه المرة بنبرة غاضبة فتجد المجيب الآلي وقد حولك إلى موظف أو موظفة، تؤكد لك أن مشكلتك قد أخذت بعين الاعتبار فانتظر لأن معالجتها تتطلب وقتا أكبر، وبهذا تصبح كمن ينتظر مشاهدة القمر في ليلة تلبدت سماؤها بغيوم سوداء كثيفة، وهنا أعاود السؤال من جديد أين يكمن المشكل وكيف يمكن تجاوزه، الحقيقة أن المشكل يكمن في العقليات التي تعين المسؤول عن المرفق العمومي فهي عقليات تبحث عن أشخاص يشبهونها ولا تبحث عن أشخاص قادرين على تسيير الإدارة وفق منظور عصري يجعل من المسؤول يبحث عن حلول حقيقة لتطوير الإدارة وجعلها أداة لخدمة المواطن، عوض أن تكون تكنة يمنع على المواطن دخولها أو حتى الاقتراب منها، فالمسؤول الذي يأتي بعقلية خدمة المواطن عليه الخروج من مكتبه وفتح قنوات التواصل مع المواطن والسماع إلى نبضه، وهي عملية بسيطة في إجراءاتها وقادرة على القضاء على المشاكل قبل استفحالها، فالمشاكل تدخل ضمن العمل اليومي الروتيني لجميع الإدارات، ومعالجتها تتطلب فنا دقيقا يبدأ بمعرفتها ثم تشخيصها وفي النهاية محاولة معالجتها، وحينما قلت محاولة فإنني قصدت بأن بعض المشاكل يستعصي على المسؤول المحلي حلها لأنها تخضع إلى منظومة قانونية يصعب على المسؤول المحلي تجاوزها، لكن بمعية الإدارة المركزية قد يتوصل المسؤولون إلى إيجاد صيغ تعالج المشكل وتحافظ للمواطن المغربي على دم وجهه وترفع من قيمة المسؤول المحلي، وهذا ما نريده أن يصبح عرفا في مرافقنا العمومية.

فمن مصلحة الزبناء إلى الرقم الأخضر إلى الرقم الخاص إلى رقم المستشار إلى البوابات الرقمية، متاهات يدخلها المواطن ولا يجد فيها الجواب الشافي لمشكلته، وما دمنا نغير الأشخاص ولا نغير العقليات، فستبقى الإدارة المغربية بالرغم من مساحيق التجميل، إدارة لا ترقى إلى تطلعات مغرب الألفية الثالثة، ومادامت علاقة المواطن بالمسؤول تخضع لعلاقة الشيخ بالمريد فإن التسلط والجبروت والمعاملة الخشنة ستستمر، في انتظار الخلاص من هذه الآفة التي عمرت طويلا نقول بأن هناك بريق أمل حينما تجد مسؤولا عن مرفق عمومي يعمل خارج الصندوق وفق آليات تسيير تتماشى مع القوانين الناظمة للمرفق العمومي، وبعقلية تجعل من المسؤولية أمانة في رقاب أصحابها.

وسأروي لكم قصتي مع مسؤول يمثل الجيل الجديد من المسؤولية ويعتبر بالنسبة لساكنة مدينتي مسؤولا مطلعا بكامل مسؤولياته، هذا الشخص الذي تشعر بإنسانيته وكلامه العفوي وأنت تجالسه، بدأت القصة يوم الإثنين 15 دجنبر حينما كنت عائدا من الجامعة، إذ استوقفتني حالة اعتبرتها غير عادية، هدوء تام أمام هذا المرفق العمومي لم أعتاده، ركنت سيارتي ودخلت هذا المرفق وأنا أبحث عن المسؤول عله يفكك أدوات الاستفهام التي علقت بمخيلتي، وجدت المسؤول في اجتماع لكن كاتبته الخاصة أخذت معلوماتي الكاملة ووعدتني بتنظيم لقاء خاص لي مع المسؤول، غادرت هذا المرفق العمومي وتلابيب الشك المنهجي تأسرني بأسئلة واستنتاجات أوصلتني إلى الجزم بأن الكاتبة الخاصة للسيد المسؤول قامت بدورها لتصرفني عن لقاء هذا المسؤول، عدت إلى منزلي وخضت في أعمالي الروتينية، وبرهة رن الهاتف وعليه رقم جديد غير مسجل في جهات الاتصال الخاصة بي، أجبت فإذا بالكاتبة الخاصة للسيد المسؤول السابق ترحب بي وقد أخذت لي موعدا مع السيد المسؤول، اندهشت للسرعة التي تمت بها العملية واندهشت أيضا لتاريخ الموعد الذي حدد في يوم الثلاثاء 16 دجنبر على الساعة التاسعة صباحا، بدأت عاصفة السؤال من جديد تسيطر على مخيلتي: “هل فعلا سأجد المسؤول في هذا الوقت بالمرفق العمومي؟؟” “وهل فعلا سيستقبلني هذا المسؤول؟؟” “أم أن التوقيت الذي اختارته الكاتبة سيثنيني عن الحضور في نفس الساعة؟؟”. وأسئلة أخرى كثيرة.

استفقت كعادتي باكرا، وأعددت العدة للذهاب إلى المرفق العمومي وكلي عزم أن يستقبلني المسؤول، كان الظلام يجثم على صدر مدينتي وأمطار الخير تتساقط بغزارة، لكن كان إصراري على مقابلة هذا المسؤول كبيرا، وفعلا وصلت إلى باب المرفق العمومي ودخلت إلى داخله بعدما مررت بإجراءات روتينية، وصلت إلى مكتب المسؤول على الساعة التاسعة، هممت بالعودة بعدما تأكدت أن المسؤول ليس في مكتبه لدرجة أن عاصفة السؤال بدأت تفعل أفاعيلها بي، وبينما أنا في باب البهو أستعد للمغادرة، إذ التقى بي شخص يرتدي لباسا عاديا، سروال “الدجين وقميص وسترة صوفية”، بادر بالكلام وقال لي: “أتبحث عن شخص ما؟ قلت له نعم أبحث عن السيد المسؤول، قال مبتسما وهذا السيد المسؤول يصعب العثور عليه!!! أدركت وقتها أنه السيد المسؤول عينه، استقبلني وطلب مني مرافقته لمكتبه، مكتب عادي لا أثر فيه لمظاهر الأبهة والبهرجة، وهو ما شجعني على فتح حوار حميمي معه، عرفته بنفسي وعرفني هو أيضا بنفسه، وتجادبنا أطراف الحديث لمدة تفوق الربع ساعة، ثم غادرت مكتبه بعدما تبادلنا معلومات بعضنا البعض، وختم حديثه معي بأن مكتبه مفتوح لي كلما طرأ طارئ.

بالطبع كان علي أن أفتح قنوات التعارف مع هذا المسؤول من باب مسؤوليتي كصحافي، أحمل في دواخلي هموم المواطن المغربي، ولأن المرفق العمومي أسس على مبدأ خدمة هذا المواطن، فتحت قنوات التعارف مع هذا المسؤول قصد العمل معا على خدمة الوطن والمواطن، والحمد لله أن وجدت مسؤولا ذو عقلية مستنيرة همه الوحيد والأوحد هو خدمة هذا الوطن عن طريق خدمة مواطنيه، لن أفصح عن هوية هذا المسؤول لأنني في الحقيقة لم آخذ إذنا منه، وفي مواد صحفية مقبلة، سأعطي لهذا المسؤول حقه كاملا إن أذن لي بذلك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!