في السنوات الأخيرة، لم يكن التوتر الجزائري المغربي مجرد تباين في الرؤى أو السياسات، بل تحوّل إلى صراع استراتيجي عميق، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية، الاقتصادية، الجيوسياسية والدعائية.
في هذا السياق، أصبح من الواضح أن تحوّل العقيدة العسكرية الجزائرية من عقيدة هجومية، كانت تقوم على مفهوم “الاكتساح” والردع المباشر، إلى عقيدة دفاعية تُبنى على مناورات “الحصن المنيع” ليس مجرد خيار عسكري تقني، بل هو في جوهره خيار سياسي وإعلامي يحمل أكثر من دلالة، ويخدم أكثر من هدف، وفي مقدمتها محاولة التغطية على الاحتقان الداخلي، وخلق عدو خارجي افتراضي لتوحيد الصفوف وتفريغ الغضب الشعبي.
تزامن هذا التحول مع بروز معطيات جديدة في المشهد الإقليمي، أبرزها تنامي نفوذ المغرب الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الإفريقية والدولية، ونجاحه في توظيف موقعه الاستراتيجي لإبرام شراكات اقتصادية وأمنية مهمة، كان لها أثر بالغ في إعادة صياغة التوازنات التقليدية في المنطقة المغاربية. فقد تمكن المغرب من التموقع كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وكساحة استثمار مفتوحة أمام القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، التي لا تخفي رهانها الاستراتيجي على الرباط كشريك موثوق به في مجالات مكافحة الإرهاب، تأمين الساحل، ومراقبة تدفقات الهجرة غير النظامية.
هذه المكاسب السياسية والدبلوماسية المغربية ترافقت مع مناورات عسكرية ضخمة تقودها الولايات المتحدة بشكل دوري في الجنوب المغربي، وعلى مقربة من الحدود الجزائرية. مناورات “الأسد الإفريقي” التي تُجرى سنويًا بمشاركة العديد من الدول، بما فيها قوات من الناتو، تُعتبر رسالة واضحة، ليس فقط للقوى المعادية للمغرب، بل أيضًا لحلفائه التاريخيين في الجوار، بأن التوازنات القديمة قد تغيرت، وأن من يملك الأرض والمعلومة والشراكة الدولية، هو من يرسم الخطوط الحمراء الجديدة.
أما مناورات “طانطان” التي تُجرى بشكل متوازٍ مع “الأسد الإفريقي”، فهي تُعد مناورات أكثر تخصصًا، تُحاكي سيناريوهات التصدي لهجمات غير تقليدية، مثل تسلل مجموعات مسلحة أو استهداف منشآت حيوية. ولأن هذه المناورات تقع جغرافيًا في منطقة قريبة من الصحراء الكبرى، فإن الجزائر قرأتها باعتبارها تمهيدًا لفرض حصار عسكري غير معلن على حدودها الغربية والجنوبية الغربية، خاصة في ظل علاقتها المتوترة مع المغرب، والوضع غير المستقر في مالي والنيجر.
في مواجهة هذا التغير الجيوعسكري، اختارت الجزائر، بدلًا من الرد بشكل هجومي على المستوى الميداني أو تعزيز دبلوماسيتها، أن تُعيد صياغة عقيدتها العسكرية إعلاميًا وأيديولوجيًا، من خلال الانتقال إلى خطاب “الحصن المنيع”، الذي يعكس، من جهة، نزعة دفاعية مبررة أمنياً، لكنه، من جهة أخرى، يُستغل داخليًا لتغذية خطاب الخوف وتوجيه الرأي العام نحو “العدو الخارجي” بدلًا من التركيز على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تُنهك البلاد.
ففي الوقت الذي تعاني فيه الجبهة الداخلية الجزائرية من أزمات متفاقمة: بطالة مرتفعة، ندرة المواد الأساسية، انهيار الخدمات العمومية، وانعدام أفق سياسي واضح بعد تراجع الحراك الشعبي، جاءت مناورات “الحصن المنيع” لتشغل الرأي العام بمخاطر افتراضية، وتغطي على العجز الحكومي، وتُعيد للجيش دورًا مركزيًا في تشكيل المزاج العام الوطني، ليس من خلال الحماية المادية فقط، بل من خلال توجيه الوعي الجماعي نحو “المؤامرة الخارجية”.
هذا التوظيف السياسي للمؤسسة العسكرية ليس جديدًا في تاريخ الجزائر، لكنه اليوم يأخذ شكلًا أكثر وضوحًا، حيث يتم استغلال البيئة الإقليمية المتوترة لصياغة سردية وطنية جديدة، قوامها: “نحن مستهدفون”، “الحدود مهددة”، “المغرب يخطط للتآمر”، و”الوحدة الوطنية في خطر”. وهي سردية تُسهم في إعادة هيكلة الفضاء الإعلامي، وتبرير تشديد القبضة الأمنية، وتطويق الحريات، وقمع الأصوات المعارضة تحت غطاء الحفاظ على السيادة والاستقرار.
إن ربط التحول العقائدي العسكري بالمناورات المغربية الكبرى ليس مجرد تحليل نظري، بل هو قراءة موضوعية لما يحصل فعليًا على الأرض. الجزائر لم تذهب في اتجاه تحديث أدوات الردع أو تحسين جاهزيتها الهجومية، بل انسحبت إلى الداخل، وركّزت على بناء منظومات دفاعية ترابية، على غرار المخابئ تحت الأرض، ومنظومات الرادار، والطائرات بدون طيار للمراقبة، في ما يشبه فلسفة “الجدار الحديدي” التي تُفضل الانكماش والاحتماء على المواجهة أو المبادرة.
ولعل هذا النهج الدفاعي، رغم وجاهته العسكرية في بعض جوانبه، يُخفي حقيقة سياسية أعمق: النظام الحاكم في الجزائر بات يُدرك هشاشة الوضع الداخلي، ويُدرك أن أي مغامرة خارجية قد تُفاقم من الأزمة، ولذلك اختار سياسة “التخويف الداخلي”، بدلًا من المواجهة الخارجية. وفي هذا السياق، أصبحت المؤسسة العسكرية تُقدَّم كآخر ضمانة لوحدة الوطن، ومَن ينتقد أداءها أو يتساءل عن عقيدتها يُتهم ضمنيًا بأنه يعمل لصالح أجندة أجنبية أو يهدد الأمن القومي.
الأخطر من ذلك أن التحول إلى عقيدة “الحصن المنيع” لا يعني فقط الانسحاب من الخيارات الهجومية، بل يعني أيضًا الانغلاق على الذات، والاعتماد على سرديات الدفاع الوطني لتبرير كل فشل اقتصادي أو إخفاق سياسي. وبذلك، يصبح العدو الخارجي شماعة تُعلّق عليها كل الأخطاء، ويصبح الاستنفار الدائم بديلاً عن الإصلاح الحقيقي، وتصبح الحدود رمزًا للهروب من الأسئلة الجوهرية التي يطرحها المواطن البسيط كل يوم: أين فرص العمل؟ لماذا تتدهور الخدمات؟ أين اختفت مواد الاستهلاك؟ من يراقب الأسعار؟ ولماذا لا يُحاسب المسؤولون عن الفساد وسوء التسيير؟
التحول من “الاكتساح” إلى “الحصن” لم يكن، إذن، مجرد مناورة عسكرية في الصحراء، بل هو إعلان رسمي بانتهاء زمن المبادرات والانفتاح، وبداية زمن التحصن والتوجس من كل شيء. وهو تعبير عن رؤية رسمية تُفضل التمترس خلف الخطابات القومية، بدلًا من مواجهة الواقع بكل تحدياته. وهو أيضًا انعكاس لحالة من العجز السياسي الذي يجد في المؤسسة العسكرية المظلة الأخيرة التي تُخفي عورات السلطة المدنية.
في المقابل، فإن المغرب، رغم كل ما يمكن أن يُقال عنه، استطاع أن يُحول مناوراته العسكرية إلى أدوات دبلوماسية، تُعزز شراكاته الدولية، وتُرسّخ حضوره في المحافل الإقليمية، وتُسوّق لرؤيته الأمنية في منطقة الساحل والمغرب الكبير. وبدل أن يجعل من العسكرة أداة للداخل، جعل منها بوابة للخارج، ومنصة لحصد الاعترافات والمواقف الإيجابية.
ختامًا، فإن مناورات “الحصن المنيع” تُعبّر عن أكثر من مجرد تحول في العقيدة العسكرية، إنها مرآة لواقع سياسي مأزوم، وجبهة داخلية غاضبة تبحث عن إجابات حقيقية، فيُقال لها: “الخطر قادم من الخارج”، بينما الخطر الحقيقي قابع في الداخل، بين مؤسسة سياسية عاجزة، واقتصاد ريعي متهالك، وشعب لا يزال يُراكم خيبات الأمل، ويُراقب بصمت وهمًا اسمه “الاستقرار المحصن”.
عدنان السباعي.















































