منطق الإبادة الجماعية واغتيال الزميلين أنس الشريف ومحمد قرقع
بقلم: سعيد عطا
إعلامي مغربي وباحث في التاريخ الحديث والمعاصر
القنيطرة في 12/08/2025
كلما ابتلينا بحادث مروع حللناه وفق مخزوننا الفكري، الذي ينطلق أساسا من التراكم الأخلاقي، المكتسب انطلاقا من مسار طويل، خضع للتربية في مختلف المؤسسات الموكل لها هذه المهمة، دون تحميل أنفسنا عناء البحث عن الحقيقة وراء كواليس البنية الذهنية للغرب، الذي يستقي مبادئه من تربية خضعت هي الأخرى لإيديولوجية نابعة من المبدأ الرئيس الذي بنيت عليه مبادئ هذه التربية، فالأخلاق والإنسانية وحقوق الإنسان والنبل والشهامة والكرم، وغيرها من المفاهيم لم تعد قادرة على تفسير عملية الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الغزيون، من طرف جيش تشدق دائما بأنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، فكل مصطلح من هذه المصطلحات ما هو في الحقيقة إلا كلمات دبجت بها قواميسنا المفاهيمية، كي نستكين ونطمئن على مصائرنا مع وجود منظمات دولية راعية للقوانين الإنسانية، كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومجلس الأمن واليونيسكو ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية واليونيسيف وغيرها كثير، ما فتأت تثير نقع غبار على الجرائم الكبرى التي ترتكب في غزة، لتخلص في الأخير إلى بيانات شديدة اللهجة تدين وتستنكر وتشجب هذه الجرائم، لكن دون أن تمس المعتدي الذي يحول إعلامه إلى منصات تهجم على كل من سولت له نفسه المساس بسمعة دولة إسرائيل.
الغرب الذي ارتكب جرائم كبرى في حق الإنسانية منها إبادة الهنود الحمر بأمريكا وإبادة الجنس الأسود بأستراليا، والتي لم يتورع الزعيم الإنجليزي “تشرشل” بوصف هذه الإبادة وبكل بساطة على أنها تعويض لجنس همجي بجنس أكثر تحضرا، الغرب الذي اعتمد على استعمار الشعوب واستنزاف خيراتها دون أي مسوغ أخلاقي أو قانوني سوى تصدير الحضارة إلى الشعوب المستعمرة، لم يأت بذلك من فراغ بل هي تربية غَرَسَتْ في أنفس وأذهان الإنسان الأوربي بامتداده الأمريكي، بذرة الأنانية والنظر للآخر بنظرة استعلاء ودونية، فالتعليم الأوربي ارتكز بالأساس على نظرية “النشوء والارتقاء” للعالم الإنجليزي داروين، صاغها سنة 1859 في كتابه “أصل الأنواع”، والتي تقول بمدإ البقاء للأقوى عن طريق التغيير الوراثي والانتقاء الطبيعي والتكيف والأصل المشترك، هذه النظرية التي قام عليها التعليم في الغرب جعلت من الإنسان الأوربي لا يأبه بإبادة أعراق بكاملها، ما دامت عملية الإبادة ستخدم المشروع الذي بنيت على أساسه، وبالرغم من محاولة إخضاع هذه النظرية للتجربة المخبرية إلا أنها لم ترق إلى نظرية علمية مكتملة، بل بقي النقصان يشوبها.
عمل بعض العلماء في مختلف الميادين على نظرية أخرى هي نظرية “التصميم الذكي”، من بين هؤلاء العلماء عالم الرياضيات الأمريكي ويليام دمبسكي، والفيلسوف الأمريكي ستيفن ماير، وأستاذ الكيمياء الحيوية الأمريكي مايكل بيهي، وتبنى معهد “ديسكفري” في سياتل، هذه النظرية محاولا تطويرها وإخضاعها للبحوث المخبرية، وهي نظرية يقول واضعوها بأنها الأقرب إلى الحقيقة من نظرية النشوء والارتقاء حيث شككوا في هذه الأخيرة معتمدين على عدة حقائق تدحض ما جاءت به نظرية النشوء والارتقاء، فنظرية التصميم الذكي هي طرح علمي ــ فلسفي يرى أن بعض خصائص الكون والكائنات الحية بالغة التعقيد ومنظمة بدقة إلى درجة لا يمكن تفسيرها بشكل معقول بالصدفة أو العمليات الطبيعية العمياء وحدها (مثل الطفرات الجينية والانتقاء الطبيعي)، بل تشير إلى وجود مصمم ذكي وراء نشأتها.
لكن الغرب الذي يؤمن بالعلم رفض هذه النظرية ومنع تدريسها في مؤسساته التعليمية، مكتفيا بنظرية الانقاء الطبيعي التي تخدم بالدرجة الأولى سياسته التي بنيت على البراغماتية، وبالتالي فإن كل تحركات الغرب وأمريكا هي تحركات تخضع بالأساس إلى روح نظرية النشوء والارتقاء، والتي تمنحه حججا يعتمد عليها في حروبه ضد الشعوب الأخرى، فالأخلاق عند الغرب تنطلق بالأساس من نظرية “الانتقاء الطبيعي” أي أن انتقاء طبيعيا للشعوب هو المرغوب فيه عند الغرب، ولهذا يُشَرَّعُ القتل والتجويع والإبادة والتهجير للشعوب الأخرى بموجب هذه النظرية، فلا تعجبوا إن أَمْعَنَتْ إسرائيل في تقتيل الفلسطينيين لأنها يد الغرب الباطشة في منطقة الشرق الأوسط، وما نتنياهو وغيره ممن نسميهم المطرفين إلا منفذين لسياسات الغرب في المنطقة، فالمرجو أن لا تحاولوا شرح ما يجري في غزة بشروحات مبنية على ما تربينا عليه من أخلاق مبنية على عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وعقيدتنا، لأن هذه الشروحات لن توصلنا إلى حقيقة مطلقة، هي أن الغرب خطط منذ وقت بعيد لهذه اللحظة التي نعيشها، وجعل من التعليم والإعلام يخدم مصالحه الحالية.
لقد لعب الغرب على المصطلح وجعله يتكيف مع الظرفية التاريخية والسياسية التي تخدم مصالحه، فالإرهابي هو الذي يهدد مصالحه والمتطرف هو الذي يحمل السلاح ضده، وما تقوم به إسرائيل من تفنن في شتى دروب التقتيل والتجويع والاعتقال وهدم البيوت على رؤوس أصحابها ومحو سبل العيش كاملة إلا دفاع عن النفس، هكذا استطاع الغرب أن يهزمنا لأننا مع كل الأسف نفكر بذهنية العصور الوسطى، نصيح بأعلى أصواتنا ونحول ساحات الاحتجاج إلى ميادين للوغى، تتسربل مظاهراتنا بأعلام فلسطين وبالكوفية متوعدين إسرائيل بالزوال، لكن الحقيقة هي أننا أعجز من أن نحرك شعرة من إي إسرائيلي، نحن جيل الهزيمة على رأي نزار قباني، حولنا مساجدنا إلى منصات لرمي الصواريخ الكلامية عن طريق الدعاء على العدو، شاحذين النصر عليه من عند الله تعالى، كل جمعة تتعالى صيحات أئمتنا تتلوها كلمة آمين التي تسربلت بدموعنا، نغادر المساجد وقد تزودنا بعواطف مشحونة بالنصر على العدو، وسرعان ما تتلاشى هذه العواطف مع تناولنا لقصع الكسكس وأوني الأكل الجماعي الشهي.
اغتيل أنس الشريف ومحمد قريقع ومحمد نوفل وإبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة ومحمد الخالدي ستة شبان من خيرة أبنائنا، وارتقوا شهداء عند الله تعالى، والحقيقة نحن من تم اغتيالنا لأننا فقدنا القدرة على التعبير عن حواسنا، ارتقى هؤلاء الشهداء الستة ومعهم انخفض منسوب الإنسانية في ذواتنا.
لقد أُبِدْنَا يوم أطلقت أول رصاصة في وجه الفلسطينيين، لأننا وبكل بساطة وقفنا عاجزين عن الدفاع عن مصائرنا التي كانت كواليس الغرب تخطط لخرائطها، أصبحنا مرتهنين لإرادة الآخر الذي يفعل فينا ما يحلو له، أصبحنا كالدمى تحرك خيوطها في مختبرات السياسة الغربية، فهل “نحن خير أمة أخرجت للناس”؟؟؟؟ نفسنا عناء البحث عن الحقيقة أنف















































